المشكلة الكبرى التي تتجسّد وتتجذّر في المجتمع، بحيث تتفاقم وتصبح مصيبة أو لعنة، هي أننا ننشأ على حقيقة أننا على إلمام تام بكلِّ ما في الوجود. نشأنا على فكرة أن معلمينا وحكمائنا ومثقفينا يعرفون كلَّ شيء ويفقهون بكل شيء. كيف لهم أن يخطئوا؟.. مع أن التاريخ الإنساني الطويل روى كيف أنهم كثيراً ما أخطؤا.. وأخطؤا... وأخطؤا... وأخطؤا.. وصنعوا للشعوب و الجماهير واقعاً مزوّراً.. دام أحياناً مئات السنين... لا يخدم سوى طبقات الصفوة الحاكمة فقط. جميعنا ضحايا "المنطق المألوف.. جميعنا ضحايا توجه فكري وجداني وروحي محدد.. خط مرسوم بعناية ووجب سلوكه والالتزام به بدقة.. وإلا أصبحنا غير منطقيين.. غير عقلانيين.. وغير مقبولين في أوساطنا العلميَّة والاجتماعيَّة والروحيَّة.. إلى آخره.
تعريف "المنطق المألوف" :
يُعرّف "المنطق المألوف" (أو الواقع المُجمع عليه) بأنه كلُّ ما اتفق عليه مجموعة كبيرة من الناس وآمنوا به على أنه يمثل الحقيقة. يتجسد الواقع المألوف عندما يتفق الجميع حول مفاهيم معيّنة، وينسى هؤلاء بأنهم لا يجسدون سوى طريقة محددة في التفكير وليس الواقع بحد ذاته. فالواقع الحقيقي لا يمكن أن يُصنع لأنه موجود أساساً.. وطريقة النظر إليه هي التي تُصنع فقط. حتى لو شاركنا الآخرين في المفاهيم ذاتها والاعتقادات ذاتها هذا لا يعني أن المفاهيم والاعتقادات هي صحيحة، بل يمكن أن يعني أننا نشاركهم بالأوهام ذاتها وليس من الضرورة أن تكون حقائق ثابتة.
جميعنا مخدوعين بالواقع الذي نراه... بكل مفاهيمه و قوانينه و مظاهره... نحن لا نعرف أننا نعيش في عالم وهمي غير حقيقي.. لأن المفاهيم التي نستند عليها في النظر إليه هي مفاهيم وهمية غير صحيحة.. والسبب الذي جعلها تبدو حقيقية هو أن الجميع يشاركنا بنفس المفاهيم ويتفق معنا على أنها حقيقية. وجب الانتباه إلى نقطة مهمة هي أنني لا أستهدف أي طريقة تفكير بعينها.. ولا أحاول الإنتقاد أو التقليل من شأن هذا الموضوع (المنطق المألوف) حيث إن صناعة المسلمات الفكريَّة هي عملية أو حرفة تدخل في تركيبة الكائن البشري منذ الأزل، ووجودها ضروري من أجل صنع نماذج فكرية معيّنة تساعد على تماسك المجتمع. لذلك فصناعة المسلمات هي ليست ضرورية فقط، بل هي موجودة لتبقى طالما بقي الكائن البشري يعيش في مجموعات ومجتمعات اعتمد أفرادها على بعضهم البعض من أجل البقاء.
فبما أن "المنطق المألوف" (الواقع المُجمع عليه) له تأثير مباشر على الفرد وطريقة تفكيره، يعمل بالتالي على تعزيز مجموعة من النشاطات عنده (كالإيمان بوجود رقيب إلهي يعاقبه على خطاياه فيجتهد نحو عمل الخير مع أنه قد يكون في الحقيقة إنساناً شريراً، وهذا مظهر إيجابي للمنطق المألوف). لكن بنفس الوقت يمكن لهذا الواقع المألوف أن يمنع أو يعيق ظهور نشاطات كثيرة أخرى كالإبداع في مجالات معيّنة يعتبرها الواقع المألوف أنها مستحيلة. والأمثلة كثيرة: في القرن التاسع عشر كان الطيران يعتبر مستحيلاً.. لكن بعد أن كسر الأخوين رايت حواجز هذا الواقع المألوف أصبح مقبولاً بين المفاهيم العلميَّة (رغم المقاومة الشرسة في البداية).. ولم يمضِ سنوات قليلة على كسر هذا الحاجز الوهمي حتى راح مجال الطيران يتطوَّر بسرعة كبيرة، فحلقت الطائرات النفاثة في السماء ثم خرقت الصواريخ المجال الجوي ناقلة الإنسان إلى الفضاء! حصل ذلك في فترة وجيزة لا تتعدى الخمسين عاماً! ولولا كسر حاجز الواقع المألوف (المنطق الذي كان يحكم الناس ورجال العلم) لما حصل هذا التطور الهائل والسريع. والحال ذاته مع مجالات كثيرة أخرى. نحن مثلاً، أبناء القرن الواحد والعشرين، اعتدنا على التعامل مع الأقراص الليزرية وآلات التسجيل والأجهزة الصوتية ونشأنا في واقع مألوف يقبل بهذه الأجهزة.. لكننا لم نحاول التفكير يوما في مدى المقاومة الشرسة التي واجهها توماس أديسون عندما أخترع آلة الغرامافون (أوّل جهاز صوتي في التاريخ). تصوّروا أن العلماء في تلك الفترة اعتبروا هذا الجهاز من إحدى مظاهر الشعوذة! كيف يمكن لآلة أن تتكلم وتصدر أصواتاً؟! شكَّل اختراع أديسون صدمة كبيرة للمنطق المألوف في تلك الفترة. وكذلك ماركوني الذي اخترع اللاسلكي، وغراهام بل الذي ابتكر الهاتف وكولومبوس الذي اجتاز المحيط الأطلسي وأثبت بشكل جازم كروية الأرض.. و القائمة طويلة جداً جداً.. جميع هؤلاء تمردوا على المنطق المألوف وحققوا إنجازات هائلة لا يمكن تصور مدى تأثيرها على مسيرة التاريخ الإنساني. إذاً، بعد الإطلاع على ما سبق، يمكننا بالتالي القول:
" إذا واجهنا مفاهيم غريبة علينا وقررنا عدم تصديقها أو استبعاد حقيقة وجودها، هذا لا يعني أن قرارنا هو صحيح، بل السبب قد يكون أننا تحت تأثير ( المنطق المألوف ).. "
يعود سبب استمرارية "المنطق المألوف" ورسوخ مفاهيمه ومسلماته عبر الأجيال المتعاقبة إلى عوامل كثيرة أهمها: التعليم، التكيّف، الإقناع، الدعاية، التحريم والتحليل وغيرها من وسائل تسويق و حقن للمعلومات والمعتقدات والأفكار تتبعها السلطات الاجتماعية والعلمية السائدة. قد يسيء البعض الفهم أو يخلط بين "العقليات" (المذاهب الفكرية) وبين "المنطق المألوف" مع أن الفرق بينهما كبير. فالمذهب الفكري (أو العقلية) هو حالة تتجلى بأن أكثرية الناس يواجهون صعوبة في التفكير بنفسهم ولنفسهم، فينخرطون في مذاهب فكرية معيّنة ويذهبون إلى تقليد بعضهم البعض في طريقة تفكير محددة تم وضعها من قبل جهة أو سلطة فكرية معيّنة، دون النظر بمدى مصداقيتها.
فالفرق بين "المذهب الفكري" وبين "الواقع المألوف" هو أن الإنسان إذا كان متحرراً فكرياً وبالتالي له حرية الاختيار، يستطيع الخلاص من قيود المذهب الفكري.. لكنه لا يستطيع التحرر من قيود المنطق المألوف. لأنه بكل بساطة، يتحدث و يقرأ اللغة التي تتمحور حول هذا الواقع المألوف. وطالما أنه ملتزم باستخدام هذه اللغة فهو بالتالي لازال يشارك فعلياً في تكريس هذا النموذج المألوف. فاللغة المتداولة، بكل مصطلحاتها وصورها البيانية والمجازية، وتعابيرها ومواضيعها، تعتبر من أهم عوامل بقاء المنطق المألوف. فعندما يتعلم أحدهم اللغة، يتعلم بالتالي المصطلحات بالإضافة إلى المعاني التي تشير إليها هذه المصطلحات، و جميعها بالتالي تتمحور حول المفاهيم التي تشكل الواقع المألوف.
المنطق المألوف والحالة النفسية :
نلاحظ أحياناً أنّ النّفور أو المقاومة التي يبديها الإنسان تجاه الأفكار الجديدة هي عملية لا واعية خارجة عن إرادته. وسبب هذا لا يعود لعوامل اجتماعيّة أو فكريّة فحسب، بل يبدو أنّه هناك عامل نفسي أيضاً.. والسّبب هو أنّ للعقل قسم خفي أسماه علماء النّفس بالعقل الباطن وهو مخزون تجاربنا اليوميّة التي تتكرّر يوميّاً، وهو المسؤول أيضاً عن بعض الأفعال اللاإراديّة (الأوتوماتيكيّة). لكنّه بنفس الوقت يعمل كرقيب، يمنع الأفكار غير المألوفة من الدخول إلى مخزونه ألمعلوماتي الذي يختزن أفكار مبرمجة منذ الطفولة. فلا يمكن أن نستوعب فكرة معيّنة إلا إذا توافقت مع ما هو مبرمج مسبقاً في عقلنا الباطن. فهناك حاجز غير ملموس في ذهننا يسمّونه "حاجز العقل" أو "العقليّة النّاقدة" أو "الحاجز الحرج" Critical Faculty، ولا يمكن للأفكار الجديدة أن تخترقه بسهولة.
عندما يولد الطّفل، يكون هذا الحاجز غير موجود تقريباً، فيقوم الطّفل خلال نموّه مع الأيّام بامتصاص جميع الانطباعات والمعلومات المحيطة به كقطعة الإسفنج، كلّ شيء يكون مقبولاً لديه، فيسجّله العقل الباطن، وهذا هو السّبب الذي يُمكِّن الطفل من تعلّم كل ما استحوذ على اهتمامه بسرعة وسهولة كبيرة. لكن خلال خوض هؤلاء الأطفال في مرحلة التعلّم، واستيعاب المعلومات المختلفة من محيطهم، يكون "الحاجز" الذي تكلّمنا عنه في حالة نمو تلقائي. و في سنّ السّابعة تقريباً يكون هذا الحاجز قد اكتمل نموّه، فبينما يُكمِل الطفل بعدها مسيرته في التعلّم والتعرّض لكميّات كبيرة من المعلومات والمفاهيم والعادات وغيرها، يبدأ حينها بعمليّة التّصفيّة، أي يتقبّل منها فقط المفاهيم والمعلومات التي سبق وتقبّلها قبل اكتمال "الحاجز الحرج"، أما المعلومات الأخرى فيرفضها تماماً.
المشكلة تكمن في الاعتياد على نظرة محدّدة للحياة، و هو السبب في عدم استطاعة الأشخاص البالغين، بجميع مستوياتهم العلميّة والثقافيّة، استيعاب المفاهيم الغريبة عن أعرافهم و معارفهم التّقليديّة. يمكن أنْ نشبِّه دماغ الإنسان في هذه الحالة كجهاز الكمبيوتر، وعقله هو البرنامج الذي زُوِّد به هذا الجهاز، فمهما كانت درجة الذّكاء والوعي الذي اتصف به هذا الإنسان لا يمكنه تجاوز حدود هذا البرنامج الذي زوّد به. وإذا كان هذا البرنامج يحتوي على معطيات خاطئة سوف يخرج الكمبيوتر دائماً بأجوبة خاطئة.. فالمشكلة ليست بالكمبيوتر وقدرته الهائلة على معالجة المعلومات، بل بالبرنامج الذي زوّد به.
إذا افترضنا أنَّ هناك مجتمع مثلاً، يتعلّم فيه الطّفل الصّغير من والديه الحنونين بأنَّ 2+2=3، ويتعلّم هذه المعادلة ذاتها في المدرسة، من الحضانة مروراً بالابتدائيّة ثم الثّانويّة إلى أن يصل إلى الجّامعة حيث يسمع البروفيسور المرموق ذات الثقّافة العالية يصرّ على أن 2+2=3، ويسمعها في أجهزة الإعلام، في الراديو والتلفاز والصّحف وغيرها، والقانون النّافذ في هذا المجتمع يعتمد على هذه المعادلة ويدعمها، فليس مستغرباً إذا رأينا في هذا المجتمع أشخاص نافذين يحتلون مناصب عالية، علميّة سياسيّة اجتماعيّة، يعتقدون بكلِّ جديّة بأنِّ 2+2=3! ويعتبرونها حقيقة مُسلَّم بها، و يقرّون سياساتهم على هذا الأساس!
إن كل المجموعات البشرية، بمختلف مذاهبها الفكرية والاعتقادية... تتميّز حسب انتماءاتها بعقليات وطرق تفكير ومعتقدات خاصة بها، وبالتالي، إلى أنواع متفاوتة من المنطق المألوف... فالمنطق عند كل مجموعة بشرية، تم قولبته ضمن صيغة معيّنة تعتمد على نظرتها الخاصة تجاه الحياة. إن عملية قولبة الوعي البشري تشبه تماماً وضع قطعة عجين في قالب. قطعة العجين تمثّل الوعي، والقالب يمثّل العقلية وطريقة التفكير. فشكل القالب الذي نختاره هو الذي يحدد شكل العجينة. وهذا ينطبق على الوعي. فالمنطق أو العقلية التي نختارها خلال خوض معترك الحياة هي التي تحدد طريقة إدراكنا التي تعمل بالتالي على تكوين نوعية قراراتنا، وأفعالنا، وخبراتنا، وأنظمتنا الاجتماعية، وعالمنا، ومستقبلنا.
إن نوع المنطق، أو النموذج الذي نتبعه على المستوى الشخصي أو الاجتماعي، هو كما نوع البرنامج الذي نزوّد به الكمبيوتر. فالمجتمع بجميع عناصره (العائلة، المدرسة، مكان العمل، بيوت العبادة، الحكومات، العادات والتقاليد، التراث،..) يعتمد على منطق أو نموذج واحد في العيش (التفكير والسلوك ورؤية الأمور)، كما البرنامج الذي زوّد به الكمبيوتر. إذا كان هذا البرنامج صحيحاً وينجز وظيفته بشكل جيد، سوف لن نرى عيوباً ولا أعطال في أدائه. لكن إذا كان هذا البرنامج مليء بالفجوات والأخطاء والعيوب في نظامه، فسوف لن يعمل بشكل سليم وسوف تتشابك معطياته المعلوماتية وتخرج بقرارات ونتائج خاطئة، وقد يتوقّف الكمبيوتر عن العمل في يوم من الأيام.
معظمنا لازال مؤمناً بأن هذا النموذج المعيشي الذي يحكم المجتمعات هو النموذج الوحيد. المنطق الوحيد الذي لا بديل له. لا يوجد نموذج آخر. هذا هو العالم الذي وجدنا أنفسنا فيه... هكذا كان عندما جئنا إلى هذه الحياة.. وهكذا وجدنا الإنسانية.. وهكذا كانت.. وسوف يبقى الوضع كما هو، لأنه خلق ليكون كما هو.. فبالتالي، هذه هي الحالة الطبيعية للحياة، ولا يوجد حالة أفضل أو أسوأ.. بديلة لها. لكننا نتجاهل (أو نجهل) حقيقة ثابتة فرضت نفسها عبر التاريخ. هذه الحقيقة تقول:
" إن نوع المنطق الذي يحكم عقولنا هو الذي يحدد نوع العالم الذي نراه "
فكل الشعوب التي عاشت على هذه الأرض، في فترات متعاقبة، وعصور مختلفة، كانت ترى في زمانها أنها توصلت إلى الحقيقة، ولا يوجد حقيقة أخرى غيرها، و تسلّم بأنها الحقيقة المطلقة، وتعيش وتتصرّف وتنظر إلى مظاهر الوجود على هذا الأساس. فرجال العلم (الكهنة) الذين عاشوا في العصور الغابرة، نظروا إلى الوجود بالاعتماد على منطقهم العلمي السائد في أيامهم، وظنوا أنهم يشاهدون الحقيقة بموضوعية، ورأوا أنها الحقيقة المطلقة. ورجال العلم في بدايات عصر التنويري توصّلوا إلى مظهر جديد للوجود باعتمادهم على منطقهم الجديد واكتشافاتهم الجديدة، وظنوا أنهم ينظرون إلى الحقيقة المجرّدة، وهي الحقيقة المطلقة. أما رجال العلم الحديث، منذ بدايات القرن الماضي، فقد توصلوا إلى حقيقة جديدة، بعد أن بحثوا في مظاهر الوجود على المستوى الكمي (الجزيئي)، وشاهدوا عالم أخر مختلف، يتناقض تماماً مع نظرة العلم التقليدي.
فالواقع المحيط بنا لا يتغيّر، إن المنطق الذي نعتمد عليه في النظر إلى الواقع هو الذي يتغيّر... القالب هو الذي يتغيّر.. وبالتالي، شكل العجينة. وعينا هو الذي يتغيّر، وليس الواقع المحيط ولا الحياة ومظاهرها المختلفة. إذاً، فالكلام عن "حياة ثابتة، لا يمكن تغييرها، لأننا وجدناها كما هي"، هو كلام خاطئ لا أساس له. لأن هذا الواقع ليس أمر ثابت مسلّم به، بل يوجد أمامنا خيارات. إن عملية تغيير طريقة تفكيرنا هي التي تغير شكل الواقع، وسوف يبدو لنا هذا الواقع حسب طريقة تفكيرنا والمنطق الذي يحكم عقولنا. يقول "توماس كون" في كتابه: "تركيبة الثورات العلمية و بنيتها، 1962م":
" .. عندما يبدل العلماء منطقهم العلمي السائد بمنطق علمي جديد، يجدون أنفسهم يعيشون في عالم جديد يختلف عن العالم الذي عايشوه في الفترات السابقة... يختلف تماماً.. ويجدون أن القوانين العلمية القديمة لم تعد تستطيع العمل في هذا العالم الجديد. والمدهش في الأمر هو أن الذي كان يعتبر مستحيلاً، يصبح ممكناً ويتحوّل بعدها إلى أمر طبيعي ومألوف.".
هذا يعني أننا إذا قمنا بتغيير المنطق الذي يحكمنا سوف نجد أن أموراً كثيرة كانت غريبة علينا، وحتى مستحيلة، تصبح مألوفة وطبيعية. فالمنطق المادي الدنيوي الذي يحكمنا اليوم مثلاً، هو الذي يحدّ من محاولة اكتشاف الإنسان لنفسه، وقدراته، وجوهره الحقيقي لأن هذه الطريقة في التفكير تتناقض تماماً مع المنطق الدنيوي السائد، والذي استولى على العقول منذ آلاف السنين. وظهر مؤخراً منطق آخر يدعمه ويثبّت من وطأته، وهو المنطق المادي (العلماني) الذي جعل الإنسان يؤمن بأنه كائن ضعيف محدود القدرات، وأي كلام غير هذا هو مناقض تماماً للقوانين العلمية السائدة التي أصبحت مسلمات لا يمكن تجاوزها أبداً. هذا هو السبب الذي جعلنا نبدو كما نحن، كائنات مغفّلة ذات عقول مفرغة، مع أن هذه ليست الحقيقة.
قد تكون المعلومات الواردة في هذا الموقع غريبة على الكثيرين، حتى المتعلمين، ليس لأنها غير واقعيّة بل لأنّها فوق علميّة وخارجة عن المنطق المألوف. وهذا يجعله من الصّعب استيعابها أو تقبلها في البداية. وطالما تحدّث العلماء والباحثون في هذا المجال عن "عتبة التردّد" أي الحدّ الفكري الأقصى الذي يمكن أن يصل إليه الإنسان في تجاوز حدود معتقداته التي نشأ عليها. ذلك الخطّ الأحمر الذي تمنعنا معتقداتنا من تجاوزه.
لكن يجب أن نتذكّر أنّه ليس كلّ معلومة منافية لمعتقداتنا هي معلومة خاطئة أو غير واقعيّة. حيث يمكنها أن تفرض نفسها على الواقع مستقبلاً وتصبح حقيقة ثابتة لا يمكن نفيها. تذكّروا أنه في إحدى فترات التّاريخ سخر العلماء و رجال العلم من "غالفاني" مكتشف الكهرباء، وسخروا من "جون لوغارد" عندما تحدّث عن التّلفزيون، وسخروا من الذين تحدّثوا عن الأقمار الصناعية! و تبيّن فيما بعد أن هؤلاء العلماء السّاخرون الذين كانوا على رأس السّلطة الأكاديمية في تلك الفترات قد أخطؤا تماماً! وكان خطؤهم فادحاً دفعت ثمنه الشّعوب غالياً. ويجب أنْ نتذكّر أنَّ فكرة كوبرنيكوس عن دوران الأرض حول الشّمس كانت بعيدة عن المنطق المألوف، وفكرة الطيران كانت بعيدة عن المنطق المألوف، وعمليّة طوفان أطنان من الحديد فوق سطح الماء هي فكرة خارجة عن المألوف، لكنها أصبحت فيما بعد واقع حقيقي تتعايش معه الشّعوب.
والسؤال الكبير هو:
- هل نحن محضرون لتقبّل واستيعاب المفاهيم الغريبة عنا؟
- هل نحن مستعدّون للتعامل مع حقائق مناقضة للمنطق المألوف الذي يحكم عقولنا؟
المنطق المنتصر :
لكل كيان أو منظمة أو إمبراطورية (فكرية، روحية، صناعية، تجارية، أو سياسية) نشأت وازدهرت عبر الزمن، يوجد لها تاريخ. ودائماً يكون هذا التاريخ أسود... مع الكثير الكثير من وشحات الدم والدموع. ويعتمد مدى ازدهار هذه الإمبراطورية وقوتها وعظمتها على عدد ضحاياها ومساحة انتشارها وكمية الدمار والخسائر التي خلفتها في هذا السبيل. هذه معادلة ثابتة علمنا إياها التاريخ. فالسياسة السلمية والمعاملة العادلة والشريفة والنزيهة... إلى أخره، لا يمكنها صنع إمبراطوريات، بل مصيرها الحتمي هو الهزيمة من أوّل جولة. وخلال قراءتك في تاريخ إحدى الإمبراطوريات، وجب أن تجد الكثير من العوامل مثل المكر والخديعة والظلم والاستبداد والمجازر والدمار والإبادة... إلى أخره. وإن لم تجد هذه العوامل، هذا يعني أن التاريخ الذي نقرأه هو مزّور. تذكر أن تزوير التاريخ أيضاً هو سياسة. فلا بدّ من مسح الدماء ومحو الآثار بعد الجريمة، لأن مرحلة التخلص من العقبات قد انتهت وبدأت مرحلة إبراز الذات بصورة جميلة، رقيقة، لكي تحكم العواطف والقلوب ثم السيطرة على العقول للتوصّل إلى المآرب المنشودة بطريقة سلسة، خسيسة، وسهلة.
ولكي تحافظ الإمبراطورية على بقائها وتماسكها، وجب أن تجتمع عدة عوامل مهمة وأساسية هي: إيجاد مبررات لوجودها، مذهب فكري يلتزم به الرعايا، ذلك بهدف إخضاعهم تماماً وتوحيدهم حول محور واحد هو السلطة المركزية من اجل سهولة توجيههم حسب الرغبة (و هذا يحتّم وجود طبقة كهنوتية تنظّر لهذا المذهب الفكري وتعمل على ترسيخه)، اقتصاد قوى يؤمن التمويل اللازم للمحافظة على بقائها، مناطق نفوذ (مستعمرات) من اجل امتصاص طاقاتها (كلما زادت مناطق النفود زادت الطاقة المتجمّعة في رأس هرم الإمبراطورية).
لكن العامل الأهم الذي لم يُطرح بشكل مُفصّل في هذا المضمار هو أن هذه الإمبراطورية يعتمد تماسكها وقوتها على مدى ترسيخ الأيديولوجيا التي تبرّر وجودها بين رعاياها. لقد تنبّه القُدماء لهذه النقطة المهمة منذ الزمن الأوّل. فالتاريخ الرسمي الذي نقرأه لا يلقي الضوء على هذه النقطة أبداً، بحيث أن كل ما نتعلمه عن الصراعات التي دارت بين دول وممالك العالم القديم كانت صراعات بين الخير والشرّ، المؤمنين والملحدين، الظلاميين والمتنورين... وهذا طبعاً هو خطأ كبير وجب التنبه له. إذا دققنا في تفاصيل الغزوات والفتوحات التي تشنها دولة على دولة أخرى، سنلاحظ حقيقة واضحة وضوح الشمس، كان يجري قمع منظّم ومنهجي للعلوم والمعارف القائمة في تلك البلاد المهزومة بحيث ليس هناك أي تساهل أو تسامح بخصوص هذا الأمر.
هذه الحقيقة لم تُذكر أبداً في التاريخ الذي تلقيناه. أو إذا ذُكرت، فستبدو مجرّد أحداث متفرّقة هنا وهناك دون أي رابط يجمع بينها. فبعد كل احتلال أو غزوة موفّقة (مدعومة من المسيطرين القابعين في الخفاء) كانت المكتبات أوّل ما يتم استهدافه بالإضافة إلى المجتمع العلمي القائم في البلاد والذي كان يُباد بالكامل. لماذا؟ ما هو القصد من هذا العمل؟ السبب هو القضاء على الثقافة القائمة لاستبدالها بثقافة المحتلّ (المزوّرة)، حيث أن هذه السياسة كانت سائدة وعرف القدماء جيداً أنها مجدية بشكل كبير. فالثقافة التي يفرضها المحتل بين الشعوب الخاضعة للاحتلال ستفرّخ أجيالاً من الموالين له بشكل أعمى، وهذا سيوفّر عليهم استنزاف جهود كبيرة في عمليات القمع والإرضاخ للمعارضات الواسعة التي لا بد من أن تنتفض بين فترة وأخرى. طبعاً، فسياسة استبدال الثقافة هذه والمألوفة جيداً عند الغزاة، تُستغلّ من قبل المتآمرين، الداعمين أصلاً لؤلئك الغزاة، بهدف تدمير الثقافة القديمة.
يقال أن الاسكندر هو الذي بنى مكتبة الاسكندرية، والتي اعتبرت في حينها منارة للعلوم والثقافة المتطورة. لكن ربما نجهل أن الاسكندر هو ذاته الذي دمّر مكتبة بيريسبوليس في بلاد فارس بالإضافة إلى الكثير من هذه المؤسسات الثقافية في الهند وأفغانستان وسوريا الكبرى. نستنتج من ذلك أن الاسكندر، من خلال بناؤه للمكتبة، كان في الحقيقة يبني مؤسسة ثقافية تكرّس الثقافة اليونانية على حساب ثقافات محلية قديمة. والأمر الذي لا شكّ فيه هو أن تلك الثقافات القديمة التي طمسها الاسكندر كانت أكثر تطوراً ورخاءً. أعتقد أن البعد الزمني الطويل الذي ننظر من خلاله إلى التاريخ البعيد يعمل عمل الغشاوة القاتمة التي تمنعنا من معرفة الحقيقة. فمكتبة الإسكندرية التي أنشأها الاسكندر، لازلنا اليوم نظن بأنها مثّلت منارة آخر ما توصّلت إليه العلوم في تلك الفترة، ونشعر بالامتنان له بسبب هذا العمل النبيل. لكن لم يفطن أحد إلى حقيقة أن تلك المكتبة التي بناها الاسكندر كانت بالنسبة لمن عايش فترة حكمه تندرج ضمن عملية ممنهجة لتدمير الثقافة العلمية القائمة في ذلك الوقت ومحاولة تكريس ثقافة أخرى متدنية تقضي على الثقافة السائدة لصالح المحتلين. ويجب أن نتذكّر بأنه ليس من صالح أي مستعمر أو محتل أن ينشر ثقافة متنورة في البلاد الخاضعة تحت سيطرته. أعتقد أن ما فعله الاسكندر بالشعوب التي غزاها هو ذاته ما فعله الأسبان خلال فتحهم لأمريكا الجنوبية، وكذلك معاملة الأوروبيين بشكل عام للهنود الحمرفي أمريكا الشمالية. وليس هناك من بقي على قيد الحياة من معارضيه لكي يقول الحقيقة. وكما هي الحال مع أمريكا الجنوبية التي أصبحت ثقافتها، الرسمية على الأقل، تمجّد كولومبوس واكتشافه لتلك القارة المسكينة بدلاً من لعنته ألف مرة (كما يفعل البعض من غير الرسميين)، أعتقد أن الثقافة التي خلفها الاسكندر في البلاد التي احتلها هي السبب الرئيسي وراء تمجيد هذا الرجل الطاغية وتأليهه، لأنه بكل بساطة لم يبقى هناك أي ثقافة معارِضة له حيث تم سحقها بالكامل. دعونا نلقي نظرة على عيّنة صغيرة جداً من المكتبات التي لقيت حتفها عبر التاريخ: حرق المكتبات....
بعد التعرّف على هذه الحقيقة، ربما أصبحنا نعرف الآن لماذا أُحرقت كل تلك المكتبات بكل ذلك المخزون الهائل من العلوم والمعارف! لماذا راح الأوروبيون الواقعون تحت السيطرة المباشرة لهذه الشبكة العالمية المتآمرة إلى أستراليا وأفريقيا وإلى أمريكا الجنوبية والشمالية والوسطى والصين ودمّروا العلوم القديمة، ودمروا المعارف والتقاليد العريقة بحجة القضاء على الوثنية... لقد دمّروا.. بكل ما عندهم من عزيمة.. كل ما طالته أيديهم.. التاريخ الذي يعود لهذه الشعوب! لماذا ساد تقليد حرق الساحرات لقرون طويلة من الزمن في كل من أوروبا والعالم الجديد؟.. لماذا صدرت فتاوى وتشريعات لملاحقة وقتل علماء الخيميا (وليس الكيمياء) حتى انقرضوا تماماً من الساحة العلمية.. وحرّموا علوم أخرى متطورة لدرجة أننا، وبعد عدة أجيال، أصبحنا نظنها سحرية بسبب عدم استيعابنا لها واعتبرناها ضرباً من ضروب الشعوذة.. السبب هو أنهم أرادوا امتصاص كل تلك العلوم إلى خارج التداول الشعبي، وإبقاء الشعوب في جهل مطبق عن ما كان يجري بالضبط في الماضي، وبالتالي ما يجري حالياً، بالإضافة إلى حقيقة العظمة التي نتمتع بها ككائنات على هذا الكوكب وطبيعة الحياة وروعتها.
يبدو أن هناك الكثير من الأهداف والغاية الكامنة وراء نشر وترسيخ منطق أيديولوجي معيّن بين مجموعة بشرية معيّنة ..
الخلاصة :
إذاً، فكل ما نعتقده ونؤمن به ومقتنعين بحقيقته هو عبارة عن منطق معيّن تم ترسيخه من قبل جهات لها مصلحة في قيامه ورسوخه. هذا المنطق الذي نؤمن به لم يسوغه حكماء ولا فلاسفة أو عباقرة متنورين يرغبون في إصلاح الأمور. لقد فُرض علينا قسراً بالدماء والدموع والألم الشديد. والجهة الأشرس والأكثر قسوة واستبداداً هي التي تغلب دائماً. والسبب وراء رسوخها قد لا يكون مصداقيتها، بل القوة والشدّة التي يُعاملون بها كل من حاول أن يجد منطقاً بديلاً.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق